الفكر الكربلائي

الفكر الكربلائي

أحوال جيش يزيد

 

 

أحوال جيش يزيد

 

إن المدرسة الكربلائية بحر من المعرفة لأنك كلما تأملت في أحداثها كلما ظهر لك أمور لم تكن بالحسبان، فهي ساحة فيها الكثير من الأحداث والمواقف والآراء، فيمكن للباحث أن يضع بنانه على أية نقطة وسيخرج ببحثٍ فيه الكثير من النفع للأمة.

وهناك موضوع من مواضيع الثورة الحسينية قلّ من يتحدث فيه أو يطرح شيئاً منه على طاولة التداول، وسبب عدم الخوض في مثل هذه البحوث يعود إلى عدة أسباب: منها عدم إدراكهم لهذا الموضوع، ومنها: خوفهم من الخوض فيه كيلا يشار إليهم بإصبع الإتهام، ومنهما: عدم وجود المنفعة في مثل هذه المواضيع بحسب آرائهم، وهناك أسباب غيرها لا يسع المجال لطرحها في هذا البحث، وأنا من الذين آمنوا بأنه لا يوجد شيء يتصل بأهل البيت من قريب أو بعيد إلا وفيه منفعة للبشر، ولكن هذه المنفعة إما أن تكون مألوفة ومتداوَلة بين الناس وإما أن تكون غريبة نوعاً ما، أما المألوف والمعلوم فلا يستفاد منه إلا بالتذكرة وتحريك ما استقر في القلوب منذ زمن، فقد يحصل الملل لدى البعض من تكرار شيء بذاته، أما إذا بحثنا دائماً واستخرجنا المفاهيم التي يعتقد البعض بأنها غريبة فسوف يكون ذلك دعماً وتثبيتاً للمألوف والمعروف، وقد يكون ذلك ضرباً من ضروب اللامبالاة بواقع الأمر، وعدم الشعور بالمسؤولية، وأنا هنا أحمّل المسؤولية لمن نصّبوا أنفسهم خداماً لمنبر أهل البيت، فكل من التزم هذا النهج يجب عليه أن يؤدي وظيفته تامة وصحيحة أي بكل أمانة وحذر وهذه المسؤولية ليست تبرعاً منهم بل هو واجب عليهم.

هؤلاء لا طاقة لهم على البحث والتأمل والقراءة واستخراج الأفكار المخفية فهم يكررون نفس المعلومات في كل سنة وفي نفس المكان وربما بنفس الحضور، وهذا فيه شيء من الإستخفاف إما بالحاضرين أو بذكرى كربلاء التي هي سبب وجودنا واستمرارنا.

قد يكون حامل هذه المسؤولية حملها من الأساس للتشريف وليس للتكليف، فقد يكون بلا دين ولا أخلاق وقد يكون أحد أعداء أهل البيت(ع) ولكنه يجد ذاته في التمظهر بهذا الشكل وبتلك الطريقة.

فالموضوع الذي أريد أن أطرحه في هذا البحث هو بيان الحالة النفسية التي كان عليها أعوان يزيد في كربلاء فإنه مما لا شك فيه أن أفراد جيش يزيد لم تحركهم روح واحدة ولا هدف واحد ولم يكن الجميع بمستوى واحد من المعرفة حيث كان فيهم الذكي والأبله والقوي والضعيف والآتي بملئ إرادته والآتي خوفاً من عقاب يزيد، وأنا أرى أنه من الضروري أن نعرف حالاتهم، ولا أريد أن يفهم أحد قصدي على غير وجهه، أنا لا أبحث بذلك لأبرّأ أحداً، فلا أحد من الطرف اليزيدي بريء، الكل مجرمون قاتلون، ولكنني أهدف من خلال هذا البحث إلى الكشف عن الطريقة التي يستعملها الظالم لتنفيذ خططه وعن الطريقة التي يتعاطى بها الجبان في الأمور التي لا يؤمن بها.

لقد تحدثنا وتحدث غيرنا كثيراً عن أصحاب الإمام الحسين رضوان الله عليهم كيف ثبتوا على موقفهم رغم أن الحسين أذن لهم بالرحيل عنه فأبوا أن يتركوه وحيداً حيث علموا أن الجنة بانتظارهم وأن الله تعالى سوف ينصر الإسلام على أيديهم فلم يبالوا بالسيوف والرماح ولا بالعطش الذي كان يكوي أكبادهم، فلقد كان جميع أصحاب الحسين بمستوى واحد من التوجه والخشوع والإرادة لأن الجميع أتوا إلى كربلاء بملئ إرادتهم وهم يعرفون المصير، يعرفون أنهم لن يرجعوا إلى ديارهم وأولادهم وتجاراتهم ولم يُخفِ الحسين عنهم أمراً فلقد أخبرهم من البداية أنه ذاهب للشهادة فرافقوه على هذا الأساس، أما جيش يزيد فقد كذب القادة عليهم وخدعوهم وغرروا بهم وأغروهم برضا الخليفة عنهم وأن الله يعاقب مجموعة خارجة على الخليفة وأنهم هم الواسطة التي تنفذ إرادة الله فكانت الواسطة التي نفذت إرادة الشيطان المتمثل بيزيد وأعوانه.

ندخل في صلب الموضوع لنستفيد أكبر كمية ممكنة من المعلومات حول الجنود الذين أتوا لقتل الحسين وبالتالي قتل الإسلام كيف أتوا ولماذا وما هي أهدافهم وما هي الوسائل التي استعملها الحكام معهم حتى أقنعوهم ببيع دينهم وضمائرهم من دون مقابل واضح.

لقد حاول يزيد أن يجبر الحسين على المبايعة فرفض الحسين ذلك فراح يزيد يتعمل مع الهاشميين وأتباعهم بكل قسوة حتى فرض عليهم حصاراً شديداً بهدف إجبارهم على الخضوع والخنوع فلم ير الحسين أمامه سوى الخروج من المدينة إلى مكان بعيد عن سلطة يزيد وعيونه حتى يتسنى له العمل بحرية أكثر، فخرج من المدينة برفقة نسائه وأولاده وبعض أصحابه وتوجه نحو مكة، فأرسل إليه يزيد جموعة من جواسيسه ليقتلوه ولو كان متمسكاً بأستار الكعبة الشريفة فعرف الحسين ذلك ففضّل الخروج من مكة كيلا تُهتك حرمة الكعبة بقتله في داخلها ولم يخرج خوفاً من يزيد لأنه لو كان خائفاً من يزيد لتصرف بشكل آخر، فوصل إلى كربلاء بعد فترة من الزمن وكان وصوله إليها في أوائل شهر محرم سنة إحدى وستين للهجرة، وحوصر هناك أياماً حتى يصل إليه جيش يزيد وقد كان الحسين عارفاً بجميع تحركات الطرف اليزيدي وليس بحاجة إلى من يخبره التفاصيل فهو الإمام المعصوم الذي له وسائله الخاصة بينه وبين الله تعالى.

فحشد يزيد أكثر من ثلاثين ألف مقاتل أغلبهم من سكان القرى البعيدة عن مكة والمدينة وقد كان من وراء ذلك هدف ليزيد لأنه لو حشد له من يعرف الحسين شخصياً لحصل خلل في خطته وهو لا يريد أن تفشل تلك الخطة لأنها كانت فرصته الوحيدة قبل أن يتحرك العلويون في أقطار العالَم.

فوصل جيش يزيد إلى أرض كربلاء وكانوا أصنافاً:

منهم من كان يعرف الحسين بالإسم فقط، ومنهم من كان يعرفه بالإسم والجسم، ومنهم من لا يعرفه أساساً، وليس الهدف من هذا التصنيف تبرير موقف الجاهلين بهوية الحسين حيث سوف نعرف بعد قليل أن الجميع عرفوه لأنه(ع) قد صرّح لهم بذلك.

فالدعاية الأولى التي روّجها يزيد في صفوف زنادقته هو أنه يلاحق مجموعة من الناس خرجت على حكمه فهو يريد أن يعاقبهم لأنهم خالفوا أمر الله عندما خالفوه، وقد أضافوا إلى تلك الدعاية التهديد والوعيد لكل من يفكر بمخالفة يزيد، وضموا إلى ذلك وسائل الإغراء لمن هم والهون بالملك كعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن.

ولكي نحصر الفكرة أكثر نتكلم عن أحوال جيش يزيد ضمن عناوين:

أولاً: هل كل من حضر أرض المعركة من جيش يزيد قد ضربوا واحداً من الأهل والأصحاب أو ضربوا جسد الحسين برمح أو سيف أو حجر؟ هذا سؤال وجيه ولكن لم يستطع الإعلاميون المتواجدون على أرض المعركة أن يحصوا كل شيء فلم يكتبوا سوى ما قدروا على معرفته فلم يوجد في كتاباتهم تحليل ولا تنظير بل كتبوا ما رأوا.

فهؤلاء منهم من ضرب أحداً بسيفه أو رمحه أو حجره ومنهم من أراد أن يصنع ذلك ولكن بسبب ازدحام المقاتلين لم يوفَّق لذلك، ومنهم من لم يصل إلى أحد من الطرف الحسيني إما خوفاً من الحسين وأصحابه الشجعان، وإما أنه لم يكن مقتنعاً تماماً بالفكرة فأوهم الحكام أنه معهم وهو في الحقيقة عدو لهم، وفي كلتا الحالتين لم يكن الظرف آنذاك ملائماً للعمل بالتقية أو التورية لأن الواجب على المؤمن بالله تعالى هو أن يضرب بسيفه بين يدي الخليفة الحق الحسين بن علي(ع)

فالذي ضرب بسيفه، والذي نوى أن يضرب ولم يستطع أن يصل إلى أرض القتال، والذي لم ينو الضرب، كلهم شركاء في تلك الجريمة، لأن نفس مجيء الفرد تحت لواء يزيد هو خيانة لله ورسوله والإسلام الذي كان وما زال بريئاً من يزيد وأمثاله وأعوانه وإن كانوا يصلون ويصومون ويحجون، ويشاركهم في تلك الجريمة كل من علم بالأمر ولم يأت إلى أرض المعركة لنصرة دينه الذي بذل الحسين دمه من أجله، ولذا أحسن من قال: لقد شاركت الأمة كلها في قتل الإمام الحسين عندما كانوا يقولون ما لنا وللدخول بين السلاطين.

ثانياً: موضوع عدد أفراد جيش يزيد: فلقد ذكر المؤرخون أن عدد جيش يزيد قد تجاوز الثلاثين ألفاً وهناك بعض الروايات تنص على أن العدد كان أكبر من ذلك حيث أخفى قادة الجيش الرقم الحقيقي لعدد أفراد جيشهم لأن ذلك أمر مَعيب عند الجيوش لأنه يدل على ضعف إرادتهم وتراجع عزائمهم وخوفهم من الطرف الآخر، ولا شك بأن يزيداً كان خائفاً من الطرف الحسيني، إما لأن قوة الحسين(ع) باهرة كما كان أبوه علي(ع) الذي أرعب الأبطال وغلب الفرسان الشجعان ولم يستطع أقوى رجل في العالم أن يواجهه، وإما أن يزيداً كان خائفاً من ردة الفعل فاحتاط في جمع هذا العدد خوفاً من حضور الهاشميين وأعوانهم لنصرة إمامهم، وهناك استنتاج آخر يليق بشأن يزيد بن معاوية وهو أنه أحضر هذا العدد كدليل على مدى حقده ولؤمه فلقد قرر أن يمزق جسد الحسين وأجساد المناصرين له ويمثّل بأجسادهم ليتشفى بذلك ويثأر لأسلافه الذين كانوا أقبح منه نفساً وسلوكاً وأسوأَ عملاً.

ولذا فإنه عندما يذكر الراوي أو المؤرخ أو الخطيب ذكر هذا العدد الذي بلغ ثلاثمائة ضعف الجيش الحسيني فإنه لا يبالغ في الأمر، ويدل على ذلك تقسيم جيش يزيد إلى كتائب متعددة كانت الكتيبة الواحدة منها تُعد بالآلاف.

ثالثاً: لم يكن أفراد جيش يزيد من ملة واحدة أو قبيلة واحدة أو مدينة واحدة وإنما جمعهم من ملل عديدة ومدن كثيرة ليضيع دم الحسين وأصحابه بينهم كما صنع أسلافه عندما جمعوا أربعين شخصاً من أربعين قبيلة ليقتلوا الرسول محمداً(ص) فهذا سلوك توارثه الأمويون من الآباء والأجداد الذين ساءت سيرتهم وقبُحَت سريرتهم واسودَّ تاريخهم الذي كان أسوداً بطبعه.

كان في جيش يزيد الأبيض والأسود والنصراني والمجوسي وربما كان بينهم أشخاص ليسوا من العرب وليس ذلك ببعيد عن سلوك يزيد لأنه كان مستعداً أن يستعين بالشيطان كرهاً منه للنبي وآله(ص) الذين تحولوا إلى هاجس وكابوس وعقدة في حياته، وهذه الروحية التي اكتسبها من البيت الأموي الذي حفِل تاريخه ببغض الحق وأهله، فلقد أبغض أمية جد معاوية هاشماً جد النبي وأبغض صخر والد أبي سفيان عبد المطلب، وأبغض أبو سفيان رسول الله ومن آمن به، وأبغض معاوية علياً ومُواليه، وأبغض معاوية وولده يزيداً الحسن والحسين والإسلام، وهذا نموذج صغير عن قبح تلك الشجرة الملعونة التي لا أريد أن ألوث البحث بذكر قبائح أصولها وفروعها.

رابعاً: لم يصل جيش يزيد إلى أرض كربلاء دفعة واحدة حيث استقطبوا من أماكن متفاوتة في بُعدها عن أرض كربلاء، وإنما كانت تصل المجموعة تلو المجموعة، ولعل بعض تلك المجموعات كانت تسير ليلاً خوفاً من افتضاح أمرها.

خامساً: الذين شاركوا في قتل الحسين دون أن يعرفوا هويته هم أناس مجرمون متعطشون لشرب الدم إذ لا ينبغي أن تقتل الشخص أو تشارك في إهراق دمه قبل أن تتعرف على عموميات هويته على الأقل ولذا كان الجميع مسؤولين عن تلك الجريمة عند الله تعالى وفي ضمير الأمة.

فعندما بدأت المعركة بين الجيشين كان في جيش يزيد رجال وأعوان مدركون للعواقب قد درسوا الأحداث التي رأوها وسمعوا بها فوصلوا إلى النتيجة الطبيعية للتفكير السليم وهي الإلتحاق بصفوف المؤمنين الصادقين الذين لم يتجاوز عددهم المئة وهم أصحاب الحسين وأهل بيته، وقد حدثنا المؤرخون بأن أكثر من شخص التحقوا بجيش الحسين عندما بدأت المعركة حيث عرفوا الحقيقة والتزموا نهج الحق لأنهم لو استمروا في انصياعهم لأوامر يزيد وقادة جيشه لخسروا الدنيا والآخرة، إذاً هناك مَن تأمل وتفكر ونظر بعين البصيرة فاختار طريق الهدى وغسل ذنوبه التي اقترفها عبر عقود من الزمن كالحر بن يزيد الرياحي الذي أوصل موكب الحسين إلى أرض كربلاء وضرب عليهم حصاراً محكَماً كيلا يفر منهم أحد، ولم يكن منهم من يفكر بالفرار لأنهم أتوا إلى أرض المعركة بملئ إرادتهم، فأتى الحر إلى الحسين واعتذر منه واستأذنه بأن يكون أول المقاتلين لذلك الجيش الغادر فمدحه الإمام(ع) وأذن له بالقتال بين يديه بعد أن بشّره بالجنة، وبالفعل هذا ما حدث عندما قاتل الحر قتالاً شديداً حتى كان أول شهيد من شهداء كربلاء.

وهناك من فكّر وتأمل وراقب الأحداث فعرف الحق واعتقد به ولكنه عمل بغير ما اعتقد به حيث خيّر نفسه بين الجنة والنار فاختار النار بملئ إرادته وهو عمر ابن سعد، ولا شك بأنه كان في جيش يزيد أكثر من شخص صنعوا ما صنعه عمر بن سعد، فعمر بن سعد لم يحركه خوفه من يزيد وإنما حركه طمعه بملك الري، وقد تغنى عمر بن سعد بهذا الإنحراف الإنساني والعقائدي حيث قال: فوالله ما أدري وإني لحائر أفكر في أمرٍ على خطرين، أأترك ملك الري والري منيتي أم أرجع مأثوماً بقتل حسين، حسين ابن عمي والحوادث جمة لعمري ولي في الري قرة عين، ألا إنما الدنيا بخيرٍ معجلٍ فما غاقل باع الوجود بدَين.

هذا هو الضلال بعينه وهذا هو الخسران المبين فالذين خيروا أنفسهم بين الدنيا والآخرة واختاروا الآخرة فقد فازوا فوزاً عظيماً وأما الذين خيروها بينهما وآثروا العاجلة على الآجلة فقد خسروهما معاً، وعمر بن سعد آثر ملك الري على الآخرة فخسر الآخرة ولم يهنأ بملك الري وكان عبرة لمن يعتبر، ويشابهه بالتصرف خولى بن يزيد الأصبحي الذي حمل الرأس الشريف ورجع مسرعاً إلى عبيد الله بن زياد ليحصل على الجائزة قبل غيره فكانت جائزته أن عبيد الله بن زياد قد أمر بقتله فخسر الدنيا والآخرة.

فعلى الذي يريد أن يفكر ، أن يفكر بشكل صحيح، وأن يعمل بما يقتضيه التفكير السليم، لا أن يفكر صحيحاً ويعمل بعكس ما فكّر وإلا فسوف يصل إلى النتيجة التي وصل إليها ابن سعد وخولّى الأصبحي.

ومن جيش يزيد من لم يعطِ لنفسه المجال للتفكير حيث أعماه طمعه عن ذلك واستمر في غيه ووثٍق بأهل الظلم ليتمتع بالسلطة ولو لوقت وجيز من الزمن فحرمهم الله تعالى من التمتع بذلك وأشعرهم الحزن والمذلة في الدنيا قبل عذاب الآخرة، وهذه هي حالة العملاء الذين باعوا ضمائرهم للجهات المعادية وخانوا أوطانهم وشعوبهم فكانت النتيجة أن الذين استأجروهم للعمالة قد استغنوا عنهم وربما قتلوا الكثير منهم.

كان في جيش يزيد من جاء إلى ساحة القتال خوفاً من أن تلاحقه عيون يزيد فهو لا يريد أن يقاتل مع يزيد ولا مع الإمام الحسين، وهذا مخطئ أيضاً حيث يجب عليه الإلتحاق بجيش الحسين والدفاع عن دينه الذي حفظه الله بجهود أهله وصبرهم وتضحياتهم، وهذا ما صنعه الإمام الحسين في كربلاء فإنه لم يقاتل يزيداً من أجل السلطة أو من أجل الدفاع عن النفس، فمخطئ من يدعي بأن الحسين قاتل من أجل ذلك، فلقد قاتل الإمام من أجل الإسلام وهذا ما صرح به الإمام نفسه بألفاظ لا تحتمل التأويل والتوجيه حيث قال: إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، لم يعتدي الحسين على أحد ولم يصنع ما صنع من أجل نفسه لأنه كان يعلم تماماً بأنه مقتول، وهذا ما صرّح به قبل خروجه من المدينة المنورة أي قبل معركة كربلاء بحوالي سبعة أشهر عندما قال: شاء الله أن يراني قتيلاً: فالخطر الذي كان محدقاً بالحسين وأهل بيته لم يكن محدقاً بغيرهم ورغم ذلك لم يسكت ولم يجلس في داره وإنما خرج للتغيير ولإصلاح أمر الأمة وتصحيح الأفكار الدينية التي خرّبها يزيد وزورها من أجل مصالحه، فسبب الخروج الأول هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا واجب كل مسلم ومسلمة وليس واجب الإمام المعصوم فقط، فالذين أتوا مكرَهين مع جيش يزيد مذنبون لأنهم لم يأتمروا بأمر الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي تلك الظروف كان القيام بهذا الواجب ثابتاً حيث أمر الإمام المعصوم بالجهاد ضد الظلم والظالمين.

كان الأجدر بهؤلاء أن يخافوا من الله تعالى بدل أن يخافوا من المخلوقين، وليس إحداق الخطر بك مبرراً لأن تقتل الأبرياء أن تشارك في قتلهم أو تسكت عن قتلهم، كان الأجدر بهذا الصنف من الناس أن يفعلوا كما فعل الحر الرياحي عندما التحق بركب الحسين وفضّل الموت بعز وشرف على الحياة تحت رحمة الظالمين، فلو آزر هذا الصنف من الذين أُتي بهم لقتل الإمام لو آزر بعضهم بعضاً ووقفوا موقفاً متحداً لزرعوا الرعب في قلب يزيد وأعوانه حيث كان من الممكن أن تتغير بهذا العمل معادلات كثيرة على الساحة، كان أحدهم خائفاً من الآخر وخائفاً من أن يُفتضح أمره حيث زرع يزيد الخوف فيهم وألقى الرعب في قلوبهم حتى يسيطر عليهم ويصبحوا أدوات لتنفيذ جرائمه، قد يسمح لك الإسلام بأن تخرج عن بعض الحدود الشرعية في بعض الحالات الخاصة التي عبّر عنها الله تعالى بقوله(فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) فالإسلام الحنيف أذن لنا بالخروج عن بعض حدوده إذا لم يصل الأمر إلى القتل فلو خُيِّر الإنسان بين أن يُقتل أن يقتل مسلماً لما جاز له قتل المسلم حتى ولو قُتل ألف مرة، فكيف أجازوا ذلك لأنفسهم والمقتول هو الخليفة الحق خامس أهل الكساء وثالث أئمة الهدى، ورغم ذلك لم يُغلق الإسلام باب التوبة أمامهم فلقد كان بإمكانهم أن يتوبوا ويكفروا عن ذنبهم العظيم كما صنع الوحشي قاتل حمزة في معركة أحد فلقد أتى إلى النبي(ص) وأعلن ندمه وتوبته فعفا الرسول عنه.

وهذا الحكم يجري على من كان يعرف هوية الحسين ومن كان لا يعرف هويته لأن القتل واحد، وعلى القاتل أن يتحقق من هوية المقتول قبل أن يأتي بأية حركة، ألا يحتمل أن يكون المقتول المجهول لديه واحداً من أولاده أو أخوته أو أقاربه.

ثم إن الذين أبدوا ألأم أنواع الخبث هم الذين كانوا طامعين بالحكم وهم الذين ساروا على مقولة إن الغاية تبرر الوسيلة وما أقبح غاياتهم وما أسوأ تلك الوسائل التي استعملوها لبلوغ أهدافهم وتحقيق أطماعهم، ومن أبرز أولئك عمر ابن سعد وشمر بن ذي الجوشن الذي باشر قطع الرأس الشريف بسيفه الشيطاني الغادر والذي تلوث بدماء العديد من الأبرياء قبل الحسين(ع)

وأما عاقبة ذلك الجيش الذي نزل عند رغبة الشيطان فلقد كانت وخيمة عليهم في الدنيا قبل الآخرة، ولعله لم يتب أحد من الذين شاركوا بسفك الدم الزكي، وأما التوابون فهم الذين لم يحضروا أرض المعركة لأسباب عديدة.

فعاقبة هذا الجيش قادةً وأفراداً كانت أقسى عليهم مما قاساه أهل البيت في كربلاء فلم تمض سنوات قليلة إلا وكان العقاب قد شمل الجميع على أيدي الأحرار وبالأخص على يد المختار الثقفي الذي ثأر للحسين وأصحابه من كل المجرمين حيث لاحقهم ليلاً ونهاراً وتقصى أخبارهم حتى عذّبهم الله تعالى على يديه، فلقد قُتل يزيد وابن زياد وعمر بن سعد والشمر وكل ظالم ممن ظلم آل محمد في تلك البقعة من أرض العراق.

لقد جمع جيشَ يزيد صفات الشر أما جيش الحسين فقد جمعهم حبهم لله ورسوله وخوفهم من الله وشعورهم بالمسؤولية الكبرى تجاه هذا الدين الحنيف، هذا الدين الذي استعمله المخلصون مطية لبلوغ رضا الله أما الخائنون المنافقون فقد استعملوه مطية للحصول على الدنيا فتستروا به وشوهوا سمعته وبدلوا أحكامه وأخلوا بأنظمته.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى